
منذ بضع سنوات ,ابتدأ السعي في انشاء مشروع وطني بليبيا يتعلق بنقل الأعضاء. و حين اتصلت بي الأخت غيداء طارحة فكرة أن يساهم المدونون الليبيون على الشبكة العالمية بدورهم في برنامج التوعية بأهمية و حيوية الموضوع ,الذي سيخفف معاناة الاف ,و ربما أكثر ,من أخوتنا في الوطن, شعرت أنه من الضروري أن أشارك و لو برأي بسيط ,قد يرى فيه أحدكم شيئا ما ,الا انني بالطبع صرفت النظر عن اغراء الدخول في التفاصيل التقنية للموضوع ,أولا لأوفر عليكم الصداع ,و ثانيا لأن الحديث فيه هو تخصص بحد ذاته , و هناك من هو أقدر مني بمراحل على الخوض فيه ,لذا رأيت أن أعرض رأيي فقط ,دون تفاصيل مملة.
في مهنتي سنحت لي الفرصة لأكون على اطلاع دائم على معاناة البشر.. تجربة مريرة هي ,لا يفوقها الا معاناة أولئك الذين تلازمهم المعاناة 24 ساعة في اليوم ,لسبعة أيام في الأسبوع على مدار العام ,سواء معاناتهم الشخصية بسبب مرض مزمن يلازمهم , أو يلازم أحد أحبائهم
.
لكن ,ليس جميع هذه الأمراض هي قيد لا فكاك منه , فالتقدم الكبير في الطب خلال العقود الماضية جعل الكثيرين يتجاوزون الامهم و معاناتهم و معاناة من حولهم بهذا الانجاز الثوري , الا و هو نقل الاعضاء.
في بعض دول العالم , أصبح نقل بعض الأعضاء عملية شبه روتينية ,تتم بشكل مستمر و محققا نتائج رائعة ,لا زالت تشكل بالنسبة للمستفيدين منها , معجزة صغيرة سمح بها الخالق على أيدي البشر.
ما الذي يمكن أن يدفعه من لا يرى ليبصر من جديد؟
ما الذي مستعد أن يقوم به من يتعذب لعذاب أمه أو أبيه أو قريب له يربط لأربع ساعات على جهاز الكلية الصناعية ثلاثة أيام بالأسبوع؟
ما الذي مستعد أي منا للقيام به ليعيش حياة طبيعية أسوة بأقرانه؟
الكثير ,قد يجيب البعض
الصبر ,يجيب أخرون
السعي ,قد يقولون
ان نقل الأعضاء , كما أراه من وجهة نظري , يحمل من معاني التضحية و التعاطف و الانسانية ما يرقى بالانسان حقا الى ما خلقه الله من أجله حقا , الا و هو اعمار الأرض بالخير و العمل الحسن
و برغم بعض ما سمعته من بعض شيوخ هذا الزمان , بعدم جواز عملية نقل الأعضاء , لأسباب واهية من وجهة نظري , الا أنني أراه أيضا واجبا دينيا يعادل –في رأيي المتواضع- الجهاد
جهاد لللنفس هو ,أن تقتنع بأن تعطي قطعة من جسدك لأخر ,قد لا تربطك به علاقة ,ليحيا هذا الاخر و يستمتع بما تستمتع به أنت:الصحة
جهاد ضد عدو شرس , هو المرضجهاد ضد ما علق من خزعبلات في رؤوسنا تمنعنا من القيام بما هو صحيحو أحمد الله أن البعض الأخر من شيوخ هذا الزمان يعتقدون بما أعتقده في قلبي , بأن الأمر واجب ,ان لم يكن به ضرر على صحة المانح أو حياته
يسمح لنا العلم اليوم بنقل بعض الأعضاء من أحياء اى أحياء : كالكلية مثلا , و جزء من الكبد
و يسمح لنا بنقل المزيد من الأعضاء من المتوفين حديثا الى الأحياء , كقرنيات العيون , الكلى , الرئتين , الكبد , القلب , و ربما في المستقبل القريب ,الأذرع و السيقان...
كم من حياة ستتغير الى الأفضل؟ و حياة من حولها أيضا؟
كم أتمنى أن تسود ثقافة جديدة تشجع على نقل الأعضاء..
ثقافة تسمح لأنانيتنا و قصر نظرنا بأن تختفي لتحل محلها ثقافة تنبع من أعماق شخصيتنا و هويتنا كمسلمين و بشر
لا زال أمامنا الكثير لنحققه في هذا المجال من الناحية التقنية , اذ يجب تطوير كل النظام الصحي في ليبيا ليسمح بأمكانية الاستفادة من هذه التقنية في كل ربوع الوطن
و من الناحية الاجتماعية ,حملات التوعية بأهمية و حيوية هذا الأمر لألاف الأسر التي تعاني في صمت
و من الناحية الدينية ,أن نبين ما رأي الاسلام حقا في هذا الموضوع , و أظنه لا يمانع المبدأ
أتمنى أن تهتم أجهزتنا الحكومية أكثر بهؤلاء الذين يعانون , الذين قام بعضهم ببيع كل ما يملك , و شد الرحال الى مصر ,أو باكستان ,أو الهند , أو اخر العالم اذا استطاع,متمنيا ,يدفعه اليأس و يحذوه الأمل , أن يجد سمسارا يبيع له كلية , يشتريها من فقير بائس من تلك البلاد ( برغم حرمة بيع الأعضاء) , أو يبحث عن من تتطابق أنسجته معه من أفراد عائلته , ليكون هو المتبرع
أتمنى لو تخف معاناة الكثير ممن أعرف..
أتمنى أن تكون لدي اجابات أكثر راحة لأولئك الذين يسألونني: ماذا نفعل يادكتور؟
أتمنى أن تصفوا نفوسنا أكثر , أن نتمنى للأخرين ما نتمناه لأنفسنا
و أتمنى , حتى و ان لم نتمكن من اجابة كل الأسئلة , ان نمتلك الثقة لنجيب بعضها
لنتعاون معا ,أخوتي و أخواتي
و لنقف صفا واحدا في وجه المرض و المعاناة,حتى و ان لم ننتصر في جولتنا الأولى, سنعلم دوما أنه لدينا الفرصة لنقاتل معركة أخرى معا
فقط لنخطو خطوة في الاتجاه الصحيح
و لا تنسى
أنه من أحيا نفساً , فكأنما أحيا الناس جميعاً
تحياتي
و حتى المرة المقبلة
A.
ملاحظة: شكري للأخت غيداء , التي كان حماسها و طاقتها و اخلاصها ما جعلني أنفض الغبار عن أفكار قابعة على أرفف عقلي
شكرا من جديد